أبي طالب المكي

180

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

طوبى لعبد أنفق من مال اكتسبه من غير معصية . وفي الخبر : سبق درهم مائة ألف درهم . وقد تهدد الله تعالى قوما جعلوا له ما يكرهون ووصفت ألسنتهم الكذب أنّ لهم الحسني لا جرم فأكذبهم في قوله تعالى : * ( ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ ) * [ النحل : 62 ] . أي حقا لهم النّار . وفي الآية وقف غريب لا يعلمه إلَّا الحذّاق من أهل العربية تقف على لا فيكون نفيا لوصفهم أنّ لهم الحسني . ثم يستأنف بجرم أنّ لهم النار ، أي كسب لهم جعلهم لله ما يكرهون النار ، أي بجرمهم واكتسابهم . وإذا دعا لك مسكين عند الصدقة فاردد عليه مثل دعائه حتى يكون ذلك جزاء لقوله : وتخلص لك صدقتك وإلَّا كان دعاؤه مكافأة على معروفك . فقد كان العلماء يتحفظون من ذلك وهو أقرب إلى التواضع ، ولا نرى أنك مستحق لذلك منه لما وصلته به ، لأنك عامل في واجب عليك لمعبودك أو توفي للمعطي رزقه وما قسم له من تعبدك بذلك . وكانت عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما إذا أرسلتا معروفا إلى فقير قالتا للرسول : احفظ ما يدعو به ثم يردّان عليه مثل قوله . ويقولان : حتى تخلص لنا صدقتنا . وفعل ذلك عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله تعالى عنها . ولا ينبغي أن تقتضي من الفقير الدعاء لك ، أو تطالبه بذلك ، أو تحبّ منه الثناء والمدح على ذلك ، فإنه ينقص من الصدقة . وإذا كثر منك وقوي أحبطها ، وإن كان عليه أن يدعو لك ويثني به عليك فإنما يعمل فيما تعبده مولاه به ، وأمره به فلا يرى ذلك من حقك عليه . وإذا وصلت إلى الفقير معروفا فبحسن أدب ولين جانب ولطف كلام وتذلل وتواضع . وقد كان بعض الأدباء إذا أراد أن يدفع إلى فقير شيئا بسط كفّه بالعطاء لتكون يد الفقير هي العليا ، وبعضهم كان يضعها بين يديه على الأرض ، ويسأله قبولها منه ليكون هو السائل ، ولا يناوله بيده إعظاما له ، وهذا يدل على معرفة العبد بربه وحسن أدبه في عبادته . ومن أحبّ الثناء والذكر على معروفه كان ذلك حظه منه وبطل أجره ، وربما كان عليه فضل من الوزر لمحبته الذكر والثناء فيما لله تعالى أن يفعله ، وفي رزق الله لعبده الذي أجراه على يده . فإن تخلَّص سواء بسواء فما أحسن حاله واستحب للفقير أن يخصّ ذا المعروف إليه بدعوات شكرا لما أولاه وتأدّبا وتخلقا بفعل مولاه ، لأنه قد جعله سببا للخير وواسطة للبرّ إذ الله سبحانه وتعالى يشهد نفسه بالعطاء ، ثم قد أثنى على عبده وشكر له في الإعطاء . فليقل طهّر الله قلبك في قلوب الأبرار ، وزكَّى عملك في عمل الأخيار ، وصلَّى على روحك في أرواح الشهداء ، فذلك هو شكر الناس ، والدعاء لهم ، وحسن الثناء عليهم . ومن شكرهم أيضا أن لا يذمهم في المنع ، ولا يعيبهم عند القبض .